اجعل دمي نوراً يضيء درب الحرية

ARABIC

اسماء عيسى

8/16/2025

كان صوت أنس الشريف ضيفاً دائماً في غرفة جلوسي، مكرَّماً كما هو الحال في بيوت عديدا حول أرجاء العالم العربي. وخلال هذه الإبادة المروّعة في غزة، صار توثيقه لانتهاكات إسرائيل مألوفاً. وكان دائماً حاضر، يلهث و يتصبب العرق من جبينه، ثابتاً لا يتزحزح وسط الركام وبرك الدم. بالنسبة لي، ولعدد لا يُحصى من المشاهدين، أصبح أنس رمزاً للصمود والثبات، آخر ق مثال للنزاهة الصحفية التي لطالما افتخر بها الغرب، ثم خانها خيانة تامة.

New Affiliate Find
Watch on X
رافعين أصواتهم فوق دويّ القنابل المنهمرة من السماء، قدّم أنس الشريف ومحمد قريقع لنا، يوماً بعد يوم، هبة لا تُقدّر بثمن: نافذة على واقع تسعى إسرائيل بكل قوتها لإخفائه ومحو آثاره. وهم في حداد على عائلاتهم المستشهدة، منهكون من الجوع والتعب، ظلّوا يمزقون الستار الذي تُصر إسرائيل على إغلاقه. هناك، حيث لا تقي سترة الصحافة من الرصاص، ولا تحمي من سلطة فاشية مدفوعة بيدولوجية مرعبة. وقد التحق الشريف وقريقع اليوم بسلسلة طويلة من الصحفيين الشهداء منذ بدء هذه الحرب، الأكثر دموية وخطورة على الصحفيين في التاريخ الحديث.
لقد أكدت الأمم المتحدة بوضوح أن الحق في الحصول على المعلومات هو «حق للبقاء»، يتوقف عليه مصير المدنيين. فالصحفيون، بتوثيقهم لانتهاكات القانون الإنساني الدولي، يشكّلون شرياناً حيوياً للحقيقة ورادعاً للسلطة. واستهدافهم جريمة حرب. ومع ذلك، حتى وهم يرتدون سترات وخوذات تحمل بوضوح كلمة «PRESS»، أو يسافرون في مركبات صحفية معرّفة، يُقتَل الصحفيون ويُجرحون ويُعتقلون على يد إسرائيل بجرأة مطلقة وإفلات كامل من العقاب. ليست هذه «أخطاء»، بل أفعال محسوبة ضمن استراتيجية متعمّدة لعرقلة التغطية وإسكات الصوت المعارض. إنها صفحة أخرى في سجل إسرائيل الطويل من الجرائم ضد الإنسانية، يقابلها الغرب بالصمت، والصمت تواطؤ.
لم يبدأ الإعلام الغربي بذكر أسمائهم إلا الآن، و طبعاً باللغة التي تمحو الفاعل من الصورة. هذا ليس جديداً؛ بل هو الأسلوب المكرور للإعلام الغربي السائد: الاعتراف بالجريمة فقط حين يفوت الأوان على تغيير مسارها. فالفلسطيني لا يصبح خبراً إلا حين يموت
قبل أسبوعين، أعاد الناطق باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، نشر مقطع مصوّر يتهم فيه كذباً أنس الشريف بالانتماء إلى الجناح العسكري لحماس. لكن قبل ذلك بكثير، كان الشريف وصحفيون فلسطينيون كُثر قد حذروا مراراً من حملات التشويه الإسرائيلية بحقهم. هذه الدعاية الإسرائيلية (التي تسمة الهسبراه) تصف الصحفيين بأنهم عناصر لحماس، أو «إرهابيون متحيّزون»، وبذلك يتحوّلون إلى «أهداف مشروعة». إنّه جزء من جهد اسرايلي أوسع لتضليل العالم و الإصرار على أن ما يحدث أمام العيون ليس واقعاً حقيقياً. وقد تبنّت وسائل الإعلام الغربية - من البي بي سي إلى سكاي نيوز- هذا السرد العبثي وروّجت له، متخلّية عن أبسط مبادئ النزاهة الصحفية. فقد كررت «نيويورك تايمز» مزاعم الاحتلال بأن الشريف «عمل لحماس»، بينما نشرت «رويترز» عنواناً يقول: «إسرائيل تقتل صحفياً من الجزيرة تزعم أنه قائد في حماس»، وصرّح مذيع في الـ«بي بي سي» عن استشهاد الشريف مضيفاً فوراً أنه «متهم من إسرائيل بقيادة خلية لحماس».

هذا التبنّي الطوعي للأكاذيب الإسرائيلية الصارخة، ومحاولة إضفاء الشرعية على جرائمها ضد الإنسانية، ليس «حياداً»؛ بل هو تواطؤ. إنه يمنح المصداقية لسردٍ مختلق لا مكان له في مهنة يُفترض أنها تقوم، قبل كل شيء، على الحقيقة. الصيغة باتت مألوفة: ينشر ما «تقول إسرائيل»، ثم يليها افتراء سخيف يتكرر بلا تصحيح أو توضيح من الإذاعة. الامتناع عن فضح هذه الأكاذيب ليس مجرد صحافة رديئة، بل مشاركة نشطة في سردٍ إبادي.
لقد أثبتت التغطية الغربية، أو انعدامها، لهذه الإبادة واستهداف الطواقم الصحفية، أن النزاهة الصحفية صارت أثراً من الماضي. فقد أعلنت إسرائيل حرباً على الصحافة، فيما الإعلام الغربي السائد يغضّ البصر بارتياح. إن دماء المراسلين الفلسطينيين تلطّخ أيدي تلك المنابر التي تبرر جرائم إسرائيل، وتضخّم أكاذيبها و تبرر قتل الصحفيين الفلسطينيين وترهيبهم. مراراً، اعتذرت المؤسسات الإعلامية عن تقاعسها بحجة أن طواقمها «لا تستطيع دخول غزة»، مما يجعل التغطية «مستحيلة». زعمت «سكاي نيوز» أنها لا تستطيع التغطية إلا برفقة وحدة من جيش الاحتلال، متجاهلة تماماً خيار توظيف صحفيين فلسطينيين في غزة. هذا التمييز والعنصرية يكشفان عن إيمان ضمني بأن الصحفي الفلسطيني أقل مصداقية أو مهنية من نظيره الغربي. وقد أوضحت «البي بي سي» بدورها أنها لن تعمل مع مراسلين غزيين، مفضلة استخدام منصتها لتشويه نزاهة أمثال أنس الشريف ومحمد قريقع، بدعوى أنهم «قريبون أكثر من اللازم من المعاناة التي يوثقونها».

لكن هذه المعايير لا تُطبق طبعاً على الصحفيين الإسرائيليين أو الغربيين، رغم ارتباطهم المباشر بدولة تنفذ إبادة جماعية. والأمثلة كثيرة: باراك رافيد، ضابط احتياط سابق وصحفي سياسي في «أكسيوس»، أو جيفري غولدبرغ، متطوع سابق في جيش الاحتلال ورئيس تحرير مجلة «ذي أتلانتيك»، أو إيمانويل فابيان، جندي سابق ومراسل في «تايمز أوف إسرائيل». أما العناوين التي تربط الشريف بحماس والإرهاب، فهي تهدف مباشرة لتشويه مهنيته، تمهيداً لتبرئة إسرائيل لقتله. إن نفاق هذا الإعلام فاضح.

لقد قدّم الصحفيون الفلسطينيون من شيرين أبو عاقلة، إلى وائل الدحدوح، إلى إسماعيل الغول، إلى الشريف وقريقع، وكثيرين غيرهم، تضحيات لا تُتصوَّر من أجل هذه المهنة. حياتهم، أجسادهم، عائلاتهم، وأحبّتهم. واعين تماماً للأهداف المرسومة على ظهورهم، يواصلون أداء واجبهم الصحفي بلا تراجع. وفي كلماته الأخيرة، كتب أنس الشريف: «إذا وصلتكم هذه الكلمات، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي».

حاملين على عاتقهم ثِقل معاناة شعبهم، ظل هؤلاء الصحفيون مراراً ينقلون صوت الغزيين إلى العالم، ورغم صمم العالم المتعمد، لم يستسلموا، ولن يستسلموا؛ لأنهم يدركون مسؤولية هذه المهنة إدراكاً يعجز عنه الغرب. كاميراتهم لا تكشف فقط الفظائع من حولهم، بل تكشفنا نحن أيضاً. إذ تُجبرنا على مواجهة الانحطاط الأخلاقي في زمننا، وعلى محاسبة أنفسنا على تواطئنا، ومسؤولياتنا، وإنسانيتنا.

إن اغتيال هؤلاء الصحفيين خطوة أخرى لإسرائيل نحو الضم الكامل لغزة وتطهير شعبها. و باستهداف كل شاهد محتمل، توفّر إسرائيل الغطاء لجرائم أفظع تستعد لارتكابها في الأسابيع المقبلة. هكذا تضمن السيطرة على السردية وتلغي أي شهود قد يفضحون وحشيتها أمام العالم. ولذا، يُغتال هؤلاء الصحفيون بدم بارد لأنهم يتمسكون بشجاعة بالسلاح الوحيد الذي يخشاه المستبد: الحقيقة.